أحمد ياسوف

314

دراسات فنيه في القرآن الكريم

وقد تكرّرت فيها الياء والكاف ، وتوسّط بين الكافين هذا المدّ الذي هو سرّ الفصاحة في الكلمة كلّها » « 1 » . ومما يسترعي الانتباه ، ويؤكّد عدم اهتمام الدارسين بهذا الأمر أنّ ابن الأثير ثم يحيى العلويّ ، وأخيرا الرافعي ، لم يذكروا غير هذين الشاهدين ، أحدهما بعشرة أحرف ، والثاني بتسعة أحرف ، مع أن الكلمات ذات الأحرف العشرة ، كثيرة في القرآن ، وقد ذكرنا بعضا منها قبل قليل . ومن المعروف أن المفسّرين اهتموا بجلاء المعاني ، وما يتضمّنه من التصوير بفروعه لتوصيل المعنى ، فكانت نظراتهم منصبّة في مضمون المفردة أكثر من شكلها ، وهو الأصوب والألزم . ومما ينبه عليه هنا أنّ المقطع الأول من كلمة « فسيكفيكهم » طويل إلّا أنّه يتمتّع بتوالي الفتحات ، ومع الفتحة تنفرج الشّفتان مما جعل نطق الكلمة سهلا ، ولو أن الرافعي استشهد بكلمة « أسقيناكموه » لوقع على كلمة ذات أربعة مقاطع أيضا : أس ، قي ، نا ، كموه . ويؤخذ عليه أنّه لا يقدّم تحليلا صوتيا يسير فيه بدقّة مع القارئ ، ليفسّر له عملية نطق المقاطع ، فكلامه لا يشرح في ضوء العلم ، ليكون ثابتا بعيدا عن الذّوق المبهم ، ويكفيه فخرا هذا التّغلغل في استنتاج أهمية المخارج ، وخفّة المقاطع ، بدلا من الوقوف عند العدد ، فكأنما المدّ لم يضف فصاحة على مفردة أبي الطيب المتنبي ، لتقارب مخارج الواو والياء والألف ، فهي حروف ليّنة ، وليست العذوبة في توالي الحروف الرّخوة ، فهذا بعيد عن فنّ البيان القرآني الذي يهتم بالانسجام ، فقوّة حروف « لأصلّبنّكم » ملائمة للمعنى ، وسهلة النّطق .

--> ( 1 ) إعجاز القرآن للرافعي ، ص / 229 .